News
في التحفظ الإيجابي على ترجمة القرآن الكريم
د. بوعزى عسام
كما سبق أن أوضحنا في عدة مناسبات (كتابنا في الموضوع الصادر سنة 2020 أو مقالاتنا العلمية المنشورة)، فإن القراءة المتأنية للحصيلة الفكرية يمكن أن تتلخص في الخاصيتين المميزتين للعقل الإسلامي في مجال ترجمة القرآن الكريم: الهامشية والتحفظ.
هذا ويمكن وصف الخاصية الأولى بكونها ذات طبيعة علمية معرفية، فما يجده الباحث من إنتاجات تبقى معدودة وغير مرتبطة مباشرة بالموضوع، على الأقل إلى القرنين الأخيرين.
أما الخاصية الثانية، فهي مرتبطة بالأولى لكنها ذات طبيعة نفسية: التحفظ.
وقد وضعنا هذا الوصف بعد تفكير ملي لكونها أقرب كلمة وأنصفها للسلوك العام حيال ترجمة القرآن الكريم من قبل النخب العلمية الإسلامية. والتحفظ لا يعني المعارضة الصريحة بل عدم الحماس لموضوع الترجمة سواء من حيث التنظير أو التنفيذ بحجج متعددة ومفهومة لعدة أسباب من بينها:
- تعبدية: الخشية من “تشييء” الترجمة للنص القرآني (أبرز من صاغ الفكرة د. طلال أسد)
- لغوية: تعويض اللغة العربية ومركزيتها بالنسبة للنص بلغات أخرى (أن يستعاض عن النص القرآني بترجماته إلى لغات أخرى)
- أمنية: خشية التدليس أو التحريف أو الاختزال للمبادئ العامة للنص القرآني سواء عبر النص أو النصوص الموازية.
وهذه التحفظات مفهومة بل صحية حفاظا على النص القرآني من العبث، ولو أنه لا يعدو كونه من باب السبب وإلا فالله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه العزيز.
وفي الاتجاه المقابل، وعلى الرغم مما سبق قوله، وجب التنبيه إلى أن هذا التحفظ على الترجمة له عدة محاذير:
- الاستغراق في النقاشات “المجردة” و “الأنطولوجية” حول ترجمة القرآن الكريم والتي يبدو أنها تدور في حلقة مفرغة، ولنا تجربة أزيد من عقد من الزمان في المؤتمرات والمنتديات. وهو ما يحيد عن الغاية العملية المتمثلة في:
- الاقدام على عمل منظم بأسس علمية واضحة لترجمة القرآن الكريم تجعل منه أداة للدعوة إلى الإسلام في إطار نظرة شاملة وتكاملية للأدوات والقنوات الدعوية بدل:
- ترك فراغ للمبادرات الفردية والعمل الارتجالي غير النابع من أساس نظري أو تراكم معرفي رغم انه يصدر عن حسن نية ورغبة في خدمة الإسلام، أو فيما هو أدهى:
- يزيد من مخاطر المشاريع المشبوهة لترجمة القرآن الكريم ذات الطابع الجدالي أو التحريضي أو التشكيكي في الإسلام عقيدة وشريعة، عبر عدم رصدها والحكم عليها على أسس نقدية علمية توضع رهن إشارة الجمهور للتحذير منها.
ولتلافي هذا الوضع، وجب التحلي بما نسميه “التحفظ الإيجابي”، أي أن تكون هذه الهواجس المشروعة دافعا للعمل الجماعي المؤسسي المنظم من مؤسسات ذات مصداقية علمية وشرعية للقيام بعمل التنظير والرصد والتنفيذ للترجمات بدل الاكتفاء بوضع دفاعي لا يتحرك إلا عند الوقوف على خطر يكتنف أحد المشاريع الترجمية.
يلزم اعتبار الترجمة ثغرا من ثغور القرآن الكريم يتطلب التدخل والعمل عليه وعدم الاكتفاء بالتحفظ السلبي الذي يترك فراغا يمكن أن يستغل من قبل مشاريع ارتجالية أو تحريضية في مجال الترجمة.
ولا أدل على خطورة هذا الثغر من الجدل الذي يثار من حين لآخر حول ترجمة معينة (مثال ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية أو جدل يعود لبدايات القرن الماضي لترجمة إنجليزية مشبوهة منعت شحنة منها من الانزال في الموانئ المصرية).
وعليه فحل هذه الإشكالية عملي بالأساس ويتمثل في مجموعة من العناصر نذكر من بينها:
- التوعية في أوساط الباحثين في العلوم الشرعية بطبيعة عمل الترجمة ومآلاتها.
- العمل على تعميق مفهوم النظرية التأصيلية لترجمة القرآن الكريم، والتي تأخذ بعين الاعتبار النظرة الإسلامية للقرآن الكريم.
- عمل منظم بمقاربة تشاركية بين العلماء أو الباحثين في العلوم الشرعية والباحثين في اللسانيات والترجمة في إطار مؤسسي قار له موارد كافية للعمل الجماعي.
والله ولي التوفيق.
©2025 - All Rights Reserved.